
أمل شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز الشيخ الدكتور سامي ابي المنى جمع الشمل وإصلاح ذاتِ البَين حيث يجب، ومن مواجهة التحديات الاجتماعية والأخلاقية والمؤامراتِ التخريبية التي تكمنُ لنا في العمائرِ والسُّبُل، ومن تعزيزِ وحدتِنا الداخلية والوطنية، والعملِ معاً لصَون وجودِنا.
كلام الشيخ ابي المنى جاء خلال رعايته ندوة حول كتاب “في رحاب سيرة ونهج سيدنا الشيخ ابي فارس محمود عبد الخالق” – من منشورات كلية الأمير السيد عبدالله التنوخي (ق) الجامعية للعلوم التوحيدية لمؤلفه الشيخ يحيى عبد الخالق، بدعوة من جمعية الرابطة الأخوية مجدل بعنا اقيمت في قاعة الجمعية في البلدة، وحاضر فيها مدير ثانوية العرفان التوحيدية في صوفر الشيخ عماد فرج، رئيس جمعية الأشراق الخيرية الشيخ الدكتور وجدي الجردي، والمشرف المسؤول عن الكلية الشيخ هادي العريضي، بحضور عدد كبير من المشايخ وقضاة واعضاء من المجلس المذهبي ومن مديريتي المجلس ومشيخة العقل، وفاعليات روحية وحزبية وبلدية واختيارية واجتماعية وثقافية واهلية ومن ابناء البلدة والمنطقة.
ومما جاء في كلمة شيخ العقل في ختام اللقاء:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدُ لله على ما أهدى وهَدى، والصلاةُ والسلامُ على نبيِّ الرحمةِ والهُدى، وعلى صحبِه وآلِه ممَن آمنَ واهتدى، وعلى مَن تبِعَ الحقَّ وبأوليائه اقتدى…
المشايخُ الأفاضل، السادةُ الأكارم، الأخوةُ والأخوات، الحضورُ الكريم… في خطوةٍ مباركة تتجاوزُ أجواءَ الحزن التي سيطرت على مجدلبعنا في الأيام الماضية، ولفّتها بدثارٍ واقٍ من الوعيوالرضا والتسليم، وبعد أسبوعين من الموعد المؤجَّل، ها نحن نلتقي اليومَ في كنف عائلتنا التوحيدية لنُعطيَ إشارةً واضحة للمجتمع بأهمية تغلُّبِ الحكمةِ على الجهل، والعقلِ على الانفعال، ولِنُقدِّمَ رسالةً روحية حيّة من خلال الإضاءة على سيرة شيخٍ ثقةٍ من شيوخ هذه البلدةِ الأطهار، وعينٍ علمٍ من أعلامِ طائفتِنا الأبرار، سيِّدنا المرحوم الشيخ أبي فارس محمود عبد الخالق، الذي قيل عن مسلكه الطاهر بأنه “مسلكُ الدُّعاة”، وهو مَن كَتبت نبضاتُ قلبِه الطاهر سيرةَ حياته في كتابٍ معنويٍّ قبل أن تَكتبَ صفحاتِه الورقيةَ يدُ الشيخ يحيى عبد الخالق، الذي كان له الفضلُ بجمع الأخبار وكشف الأسرار، والفضلُ موصولٌ لشيوخ خلوتِه الأوفياء وناقلي سيَرتِه النجباء، جزاهمُ اللهُ خيراً على ما حفِظوه، وأثابهم أجراً على حسن ما فعلوه. وإننا إذ نُلبِّي اليومَ دعوةَ السيخ يحيى عبد الخالق ووالدِه الفاضل، فإنَّما نأتي بدافع تعلُّقنا المتوارَث بشخصية الشيخ أبي فارسَ التوحيديةِ المرموقة التي برزت في عصرها كنموذجٍ أرقى وكمثَلٍ أعلى، كيف لا؟ وهو أحدُ أولئك الأعيان الكبار الذين بادروا منذ البدايات إلى ملازمة أهل الفضل والحكمة والتقوى، وعملوا على إصلاح النفس أوّلاً، فسادوا في مقامهم الروحيّ وتميّزوا في حضورهم الاجتماعي، وزرعوا في المجتمع بذورَ الإيمان والمحبة والصلاح، وتركوا في بيئة أهلِهم ومعاصريهم آثاراً اجتماعيةً حيّة وأسراراً توحيديةً غنيّة، وشيخُنا الجليل كان في هذه وتلك مثالَ الأبِ الرؤوف على إخوانِه “الأجاويد” وعلى مجتمعِه، ممّا حدا ببعض أعيان البلاد للقول حينَ رحيلِه: “الآن حلّ اليُتمُ بأهل الخير”.
واضاف: ” يحملُ هذا اللقاءُ معنى الوفاء للسلف الصالح وللرسالة التوحيدية وللهوية المعروفية، ونحن إذ نشاركُ معَ إخوانِنا المتحدّثين الأفاضل، فإنّما ذلك أيضاً بدافع تقديرِنا للبحث الواقعي الذي ينطقُ بلسان المحبة والعلم والأمانة، طالبينالأجرَ والثواب، ومُشجِّعين على الغوص في معالم هذا المسلك التوحيديّ الشريف وتعاليمِه، والإضاءة على سِيَرِ الصالحين وآثارِهم، والتنقيب عنها من حافظي إرثِهم المعرفيِّ والمسلكيّ، ونقله من ذاكرة المشايخ الثِّقات إلى مدارس العلم والحياة. لهذه الدوافعِ، ولمحبتي العميقة لبلدتنا الغالية مجدلبعنا التي نُكحِّلُ عيونَنا وقلوبَنا بها عند كلِّ صباح، ولأكثرَ من جاذبٍ تجاهَ شيخِنا المحمود ونهجِه المعهود، الذي لم نُدركْه بسبب فاصل الزمن لكي نتمكّنَ من تقبيل يده الطاهرة، لكنَّنا أدركنا حضورَه الروحيّ ولو عن بُعد، وشمَمْنا شذا تقواهُ من قلوبِ وألسنةِ مشايخِنا الأجلَّاء الذين عرفناهم، وقد تناقلوا مآثرَه وحدَّثوا بمناقبِه وتحدَّثوا عن جميل ذِكرِه وعظيم فضلِه، وعن حثِّه الدائم على المجاهدة والتعلُّم، وتحسُّره لغلبة التقصير على التشمير، قائلاً بأسلوبِه القرويّ اللطيف: “شو بدك تِنخي تا تنخي… رجال الشدّة قلال”. وإن كنتُ قد تشرّفتُ برعاية حفلِ إطلاق هذا الكتابِ برعاية الله سبحانه وتعالى وعونِه، في هذا النادي العريق، بعد أن كتبتُ مقدّمةً موجزة للكتاب إلى جانب المقدّمة الثريّة للأخ الكريم الشيخ عزت عبد الخالق، حفظه الله، فذلك إيماناً منّا بأن ما تحتويه تلك السيرةُ العطرةُ من مشاهدَ معبِّرة، وما يتضمّنُه ذلك النهجُ الموزونُ من دروسٍ وأمثالٍ وعبَر، هو ما نحتاجُ إليه في زماننا الحاضر لبعث النخوة التي تحسّر شيخُنا على فَقدِها، والمروءةِ التي أرادها أن تنموَ فينا لمواجهة تحديات الحياة الدنيوية وبريقِ صورِها اللمّاعة، علّنا نُدركُ أنّ عيشَ الإنسانية بمعناها الحقيقيّ وبلوغَ سعادة الدارَين باطمئنان، يكمُنان في حياةٍ جوهرية، جسّدتْها واقعاً تلك النخبةُ المجاهدة من أربابِ المسلك العرفانيّ، وهمُ المنتصرون على أنفسهم بتواضعهم، والراسخون في الله بعلمهم ومعرفتهم وحكمتهم، وأُولو الألباب الذاكرون المتذكِّرون الذين أشار إليهم القرآنُ الكريمُ بالقول: “وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ”. عن مثل هؤلاءِ القومِ الكرامِ فلْيُكتَبْ، وبمثل هذا العمل المبارَك فليُقتدَ، وهذا ما شجّعنا ونُشجِّعُ عليه واللجنة الدينية في المجلس المذهبي، للسير قُدُماً بهذا النهج الشريف، كما سار الشيخ يحيى خرِّيجُ خلوةِ الشيخِ ومدرستِه، قبل أن يكون خرِّيجَ كليةِ الأمير السيد عبدالله التنوخي للعلوم التوحيدية التي نُؤتَمنُ عليها ونعقِدُ الآمالَ على خرِّيجيها، راجينَ أن تكونَ هذه الكتبُ والمنشوراتُ التي تتناولُ سِيَرَ أوليائنا المنتجَبين وشيوخِنا المُتَّقين ووجوهِ الخير والتلاقي الروحي والإنساني الخيِّرين، سبيلاً لنا ولأبنائنا الأعزّاء لبلوغ الغاية الحقيقية والمسافرة والارتقاء في رحاب الحقِّ ومعارجِه، ولتحقيق التوازن المطلوب بين الحياة الروحية والحياة الاجتماعية اللتين تُكمِّلان وتُقويّان بعضَهما بعضاً. ولنا في شيخنا الجليل المرحوم الشيخ أبي فارس وأقرانِه خيرَ دليلٍ على اقتران الواجب اللازم بالواجب المتعدّي؛ الأولِ تجاه النفسِ الأمَّارةِ بالسُّوء والقادرةِ في الوقت نفسِه على التطهُّر وفعلِ الخير، والثاني تجاهَ الإخوانِ والمجتمع المعرَّضِ لأمواجِ الحرياتِ وفوضى رياحِها الهوجاء. هذا ما نحتاجُه، كلٌّ في مجال عملِه، وفي ميدان انشغالِنا في مشيخة العقل، بما فيها من مسؤولياتٍ متعدِّدة، لا يجوزُ التخلِّي عن أيٍّ منها، مهما عظُمت التحدياتُ وازدادت العقبات، إذ هي أمانةٌ مودوعةٌ لدينا ولدى شيوخِنا الأجلَّاء وقادةِ المجتمع والبلاد، ولدى كلٍّ منّا، بما يُوجبُه الأمرُ من حرصٍ وجُهدٍ لصون تلك الأمانة والحفاظِ عليها وصقلِ جوهرِها ما استطعنا، كما فعل المرحومُ الشيخ أبو فارس ونجلُه الديِّنُ الثِّقةُ المرحوم الشيخ أبو محمود سليمان، وما قدّماه من دروس وعِبَر، أفاض الكاتبُ في الإضاءة عليها، مع قلّة المصادر والكتب والمراجع وعدم وجود مؤلَّفاتٍ خطيّة لمشايخِنا الكبار، وهذه معضلةٌ أساسية تواجه الباحثين في سِيَرِ السلف الصالح، فتدفعُهم إلى الاعتماد على التراث الشفهي والأحاديثِ المتناقَلة، وإلى تحليل ما يُروى عنهم من الأقوال والأفعال، واستخلاصِ معانيها المنسجمة معَ ما ورد في قُصص أهل التصوُّف والعرفان الأوائل، وأربابِ الحكمة عبر الزمن، وفي ذلك جُهدٌ مُضاعَفٌ يُثابون عليه”.
وتابع: “معَ تقديرِنا للجهد المبذول من الأخ الشيخ يحيى والدقّةَ المتوخَّاةَ في التبويب والسرد والتحليل، لكن يعضَ ما أثاره في الكتاب، وعلى الأخصّ في الفصل السادس، قابلٌ للنقاش؛ منه ما ورد حول اعتماد مصطلح “المرجعية الدينية”، وحول “إشكالية التداخل الديني – السياسي”، ففي الموضوع الأول لا بدّ من التوضيح أن هذا المصطلح لم يكن يعني في تراثنا الروحي ما يعنيه عند بعض المذاهب الإسلامية التي تعتمد التقليدَ والمرجعياتِ الفقهية، وأن تخصيصَ المشايخِ الأعيان الثقات كالمرحوم الشيخ “أبو فارس” بالعمامة الطاهرة؛ “المكولسة” أو “المدوَّرة”، لم يكنبهدف إطلاق لقب “المرجعية” على الشيخ المعمَّم، بل كان ذلك تقديراً معنويّاً له لكونه القدوةَ والمثلَ الأعلى لإخوانه في التزامِه وعلمِه ودقّةِ مسلكه، وهو ما يزيدُه تواضعاً وارتفاعاً وحرصاً على وحدة الجماعة وصونِ كرامتها، وفي ذلك ضمانةٌ للمجتمع وحفظٌ للتراث، إذ إن مشايخَنا الأجلّاءَ في حقيقتِهم يُمثّلون مرجعيةً روحيَّةً وجدانيةً يُأوى إليها ويُستنَدُ عليها. أمّا الموضوعُ الآخرُ القابلُ للنقاش فهو “إشكاليةُ التداخل الديني – السياسي”، الذي يُطرَحُ فيه تطوّرُ دور المشيخة الدينية والتداخُلِ بين الشأنين الديني والسياسي في مراحلَ معيَّنة استوجبت وتستوجبُ ذلك، ممّا يحدونا للقول: إن ما نعيشُه اليومَ من تداخلٍ سياسي – ديني، ومن تطوُّرٍ علمي وتقاطعٍ اجتماعي يوجبُ علينا الانفتاحَ والوعيَ والعقلانية والتكيُّفَ معَ الواقع ومواكبةَ العصر بتوازنٍ وحكمة، وتأكيدَ الحضور الوطني بكفاءةٍ ورزانة، وهو ما تتولَّاه مشيخةُ العقل ورئاسةُ المجلس المذهبي، حيثُ لا تُحصرُ مهامُها بالشأن الديني وحسب، بل تشملُ كذلك تحمُّلَ المسؤولياتِ الاجتماعية والوطنية، وهذا ما يجبُ إدراكُه والإقرارُ به، كونها معنيةً، بالإضافة إلى الرعاية الدينية، بحفظ الطائفة وصونِ وجودها التاريخيّ، وبتحمُّل المسؤوليات في مختلف الشؤون والشجون، بالتعاون الوثيق مع القيادات السياسية ومع الهيئات الروحية والأهلية، وحيث يقتضي الواجبُ التفاعلَ مع الواقع واحترامَ التنوُّع في إطار الدولة الرسمي التي تتمثّلُ فيها جميعُ الطوائف بمؤسساتها المذهبية، وحيثُ يقضي القانونُ بأن يرعى المجلسُ المذهبي مؤسساتِ الطائفة ويُشرفَ على ممتلكاتها الوقفية، معَ ما يقتضيه الواجبُ الديني من التقدير البالغ لشيوخِنا الأجلَّاءِ ولمكانتهم الدينية وأهمية الاستئناس بتوجيهاتهم وآرائهم، إذ هم حرَّاسُ العقيدةِ التوحيدية والقيَم الاجتماعية، والسَّنَدُ الروحيُّ المتينُ في مواجهة التحديات الوجودية والحفاظ على الهوية الروحيةِ والأخلاقية”.
وأردف: “أمّا في موضوع الهوية فيحقُّ لنا جميعاً أن نتساءلَ: أين نحن من مسؤولية الحفاظ على تلك الهوية الروحية والأخلاقية؟ وأين نحن من وحدة الطائفة وتماسكِها، والتأكيد بأن لنا هويةً واحدة لا هوياتٍ متعددة ومتناقضة، وان تعدّدتِ الهوياتُ الوطنية بحسب كلِّ دولة نستظلُّ نظامَها ونُشاركُ في بناء عقدها الاجتماعي ونحافظُ مع شركائنا فيها على عيشنا الآمن والكريم؟ وهل يعي إخوانُنا وأبناؤنا هنا وهناك أنّ ما تتعرضُ له مقدّساتُنا وما تواجهُه طائفتُنامن انفلاتٍ إعلامي غيرِ مسبوق وغير مقبول، نستنكرُه ونرفضٌه، أكان من الخارج أم من الداخل، ونحثُّ شبابَنا وأبناءنا على عدم الغرق في وحوله القذرة، ونطالبُ الدولةَ بمحاسبة المرتكبين المتجرّئين على الدين والتاريخ والتراث وعلى نخبة القوم، بما يندرجُ ضمن مخطط عدوانيٍّ خبيث لهدم الأسس وضرب الثوابت، وهذه أيضاً مسؤوليتُنا بأن نتصدّى بالوعي والحكمة والإرادة والوحدة لمثل هذه المشاريع الهدّامة، وإن كنّا نشجّع على التغيير حيث يجب ويمكن، وعلى التطور والانفتاح المدروس والموزون، لكنّنا لا نرضى المسَّ بالثوابت والأصول، فهذا نوعٌ من الاعتداءالآثم، والموحِّدون الأصيلون لا يقبلون الاعتداءَ عليهم مهما بلغتِ التضحيات. لن أُطيلَ أكثرَ، ولكن اسمحوا لي أن أعودَ إلى ملامسةِ روحية شيخِنا الطاهرة، لأختمَ بأبياتٍ من قصيدة رثاءٍ كان لي شرفُ نظمِها وإلقائها في وداع شيخِنا الجليل الشيخ أبي محمود، قُبيل تسلُّمي مقامَ مشيخة العقل بأشهرٍ قليلة، وقد عبَّرتُ فيها عن واقع أولئك السادةِ الأعيانِ الثِقات الغارقين في حبِّ الله وكتابِه العزيز، وعن تعلُّقِنا بسيَرِ حياتِهم الطاهرةِ النقيّة فقلت:
ويسألُ الناسُ هل في الناسِ مَن بلغوا
مقامَ عزٍّ، وما في عيشِهم صخَبُ
ومن قضَـوا عمرَهم في حُبِّ خالقِهم
بالجِدِّ والجَدِّ، خيلَ الكَدِّ قد رَكبـــوا
فأدركوا أنّ نَيلَ الفوزِ مُرتَهَنٌ
بطاعةِ الله، والتّقوى هي السببُ
وشاهدوهُ بمرآةِ النفــــوسِ متى لهم تَجلَّى، فزالتْ عنهمُ الحُجُبُ.
وختم شيخ العقل: “رحمَ الله أولئك القومِ السبَّاقين من سلفنا الصالح ومن هذه العائلة المعطاء، أمثال المرحومِين الشيخِ القدوةِ المثال أبي فارس محمود والشيخ العلمِ المفضال أبي صالح يوسف والشيخ الزاهدِ المقدام أبي محمود سليمان والشيخ العالمِ الهُمام أبي حسين محمود وسواهم ممَّن كانوا أركانَ الدينِ والمجتمع في هذه الديار، وحَفِظَ لنا الخلفَ الكريمَ من المشايخ والأخوةِ الأكارم، علّنا نتمكّنُ وإيَّاهم من جمع الشمل وإصلاح ذاتِ البَين حيث يجب، ومن مواجهة التحديات الاجتماعية والأخلاقية والمؤامراتِ التخريبية التي تكمنُ لنا في العمائرِ والسُّبُل، ومن تعزيزِ وحدتِنا الداخلية والوطنية، والعملِ معاً لصَون وجودِنا، مستمدّينَ إرادةَ الخير من حكمةٍ توحيديةٍ لطُفتْ، ومن وجوهٍ روحانيةٍ سلفَت، والحمدُ لله في الختام، كما في البدء، وعلى الدوام”.
الندوة
وكانت الندوة قد استهلت بتقديم من الشيخ دانيال عبد الخالق، وكلمة ترحيبية من رئيس جمعية الرابطة الأخوية السيد مالك عبد الخالق، ليتوالى المحاضرون على الكلام.
الشيخ هادي العريضي هنأ المؤلف على “الجهد البحثي والتَّوْثيقي، وعلى اختياره شخصية الشيخ أبي فارس محمود عبد الخالق موضوعاً لدراسته، بما تحمله هذه الشخصية من أبعاد دينية وروحية واجتماعية تستحق التوقف عندها والبحث فيها”. مؤكدا “حرص الكلية على تشجيع طلابها ومواكبتهم في مسيرتهم الأكاديمية، ودعمهم لمتابعة دراساتهم العليا”، ومعتبرا بأن “نهضة المؤسسات العلمية لا تتحقق إلا بتشجيع المعرفة، ورعاية الطاقات، وفتح المجال أمام أبنائها ليكونوا شركاء في إنتاج العلم وخدمة المجتمع. واهمية المناسبة هي لفتح باب النقاش حول كيفية قراءة سير رجالاتنا، وتوثيق تجاربهم، واستخلاص ما تحمله من قيم ودروس للأجيال الحاضرة واللاحقة”.
وتناول العريضي الكتاب من ثلاث زوايا وأربع وقفات من السيرة، رأى انها تحمل مضامين روحية ومسلكية وإفادية. وخلص بإن “الرسالة الروحية التي يمكن أن نستخلصها من الكتاب هي أن العلم لا يكتمل إلا بالعمل، وأن المعرفة ينبغي أن تقود إلى تهذيب النفس وإصلاح العلاقة مع الله والناس. وكيف نحافظ على جوهر النهج الروحي في ظل المتغيرات الاجتماعية والثقافية، ونُنشئ جيلاً لا يكتفي بمعرفة سير الصالحين، بل يحمل قيمهم ويترجمها إلى سلوك وممارسة، ونجعل من مؤسساتنا الدينية والعلمية فضاءات لإنتاج المعرفة، وترسيخ الأخلاق، وبناء الإنسان الموحد؟.
اما الشيخ الدكتور وجدي الجردي فتوقف في مداخلته عند فصول الكتاب، مفنداً أقسامه ومستلهما من مسيرة الشيخ الراحل العبر التي تطبع نهج السلف الصالح، انطلاقا من المسالكَ التوحيديّةَ التي تتجددُ بتجددِ الزمانِ وتنتقل من مكانٍ إلى مكان، ببروز أعيانٍ يرتشفون من السلفِ ما يقيمون به على المجتمع الحجة، ويورّثون الخلف ما تقضتي به المحجّة”.
مشيرا إلى المراحل الصعبة وكيفية تعامل الشيخ الراحل عبد الخالق معها ومَا قاساهُ يومذاك “أهلُ جبلِ لبنانَ من مجاعةٍ قضتْ على نِصفِ سُكّانِه، والانتدابِ الفرنسيِّ ومَا شهِدَه الجبلُ بعد إعلانِ دولةِ لبنانَ الكبيرِ منِ انفتاحٍ على حضارةٍ أجنبيّةٍ أنشأتِ الكلياتِ الجامعيةَ، وساهمتْ بشكلٍ أو بآخرَ في تغييرِ العاداتِ والتقاليدِ، ممّا أسهمَ في التشددِ لدَى أهلِ الدينِ للحفاظِ عَلى المظهرِ في اللِّباسِ المتعارَفِ عليهِ، والتعاملِ معَ المجتمعِ الذي أصبحَ يجنحُ نحوَ المظاهرِ الأجنبيّةِ البرّاقَةِ بالكثيرِ من التحفّظِ والانغلاق”.
ولفت الجردي الى “العلاقةِ الأخويَةِ الَّتي كانتْ سائدةً في الجبلِ بعدَ أحداث 1860م، وكأنَّه يرمِي بِما ذَكَرَه إلَى تذكيرِ النَّاسِ بَأَنّ الحياةَ لا تَكْتَمِلُ إلاَّ بالمحبَّةِ والاحترامِ المُتَبَادَلِ بينَ مكونَاتِ الْمُجْتَمَعِ لأَيِّ فئةٍ انتموا”. مشجّعُا على اقتناءِ الكتاب، لأنّه “يعودُ بنا إلى القيمِ التوحيديةِ التي جعلتنا نحافظُ على وجودِنا الإنسانِيِّ”.
اما الشيخ عماد فرج فتوقف عند خواطر الشيخ عبد الخالق الشريفة، لإعلاء شأن النهج الديني وتوقف عند ملاحظتين هما: البيئة التوحيدية أو المعروفية ومنصب مشيخة العقل الرفيع على رأس الطائفة التوحيدية. وقال: “ما أحوجنا في هذه الأوقات إلى الرجوع إلى تراثه وتعاليمه والاقتداء بها، لنسلم نحن وأبناؤنا ومجتمعنا ونقف سدًا منيعًا في وجه كل من يحاول تهديم ثقافتنا وتشويه تاريخنا وتلويثَ معتقداتنا وكسرَ رمزيةِ أعلامِنا ودعاتنا ومعلمنا الأكبر سيدنا الأمير جمال الدين عبد الله التنوخي”.
واذ استهجن فرج كلام الذم والقذف و”استعمال التقنياتِ الحديثة في التشهير والرد على السفهاء والشتامين، وأصبح المقربون يتعامون عن الحق لأجل مصالح شخصية وآنية”، دعا “من يعنيهم الأمر للترفّع عن الأنانيات الخفية والظاهرة، ولنعد إلى نفوسنا ونوقظها. ولكل ربان سفينة كبيرة أو قارب صغير، إذا كان في السلك التوحيدي أو أي سلك آخر، أن يرعى شؤون سفينته أو قاربه، ولا ينتهي عن الواجب الذي ارتضاه لنفسه، لأننا كلنا مطالبون عاجلاً أم آجلاً”.
ورأى ان “الخطر الكبير أننا نرى سفينتنا الكبرى تغرق، والربان أو الربابنة لا يشعرون بالخطر ويقولون إن سفينتنا في أمان. نرجو ممن هم قدوتنا في الحياة، أن يكونوا قدوة في حل الأزمات الاجتماعية والدينية وغيرها، عن طريق حسن التدبير والليونة وحسن الظن وبالخير والتوحيد”.
مؤلف الكتاب الشيخ يحيى عبد الخالق شكر الحضور وفي مقدمتهم شيخ العقل على الرعاية وقراءته النقدية للكتاب قبلَ طبعِهِ، وكلمتِهِ المباركةِ وتوجيهاتِهِ القيمةِ وعلى رعايتِهِ هذهِ المناسبة وحضورِهِ، وشكره للمتكلمين والحضور. قائلا: “جاء الكتاب في رحابِ سيرةِ ونهجِ سيدِنا الشيخِ أبي فارس محمود عبدِ الخالقِ ليفتحَ أمامَنا بابًا للتأملِ في العلاقةِ بينَ العلمِ والعملِ، وبينَ تزكيةِ النفسِ وخدمةِ المجتمعِ، وبينَ المرجِعيّةِ الدينيةِ والمسؤوليّةِ الأخلاقيّةِ والاجتماعيّةِ. فمكانةُ الإنسانِ لا تقاسُ بموقعِهِ وحدَهُ، بلْ بما يترجِمُهُ منْ علمٍ إلى عملٍ، ومنْ إيمانٍ إلى سلوكٍ، ومن مسؤوليّةٍ إلى خدمةٍ للناسِ. هذهِ في نظري هيَ العبرةُ التي ينبغي أنْ نبحثَ عنها حينَ نقرأُ سيرَ السلفِ”.
وتمنى أنْ يكونَ هذا “الكتابُ حافزًا لشبابِنا على الاهتمامِ بتاريخِهمْ، والبحثِ في سيرِ رجالاتِهمْ وتجاربِ مجتمعاتِهمْ. وأقولُ لهمُ: اقتربوا منْ تاريخِكمْ واسألوا كبارَكمْ واستمعوا إلى رواياتِهمْ، وابحثوا في الوثائقِ والمخطوطاتِ والصورِ، واجعلوا منْ هذهِ الشواهدِ مادّةً لأبحاثٍ تحفظُ ذاكرةَ مجتمعاتِكمْ وتَنْقِلُها إلى الأجيالِ القادمة”.
وختم: “إذا كانَ الماضي يمنحُنا جذورَنا وهويتَنا، فإنَّ وعيَنا بهِ ينبغي أنْ يعينَنا على فهمِ حاضرِنا والإسهامِ في بناءِ مستقبلِنا”. ووقع عبد الخالق للحضور كتابه البحثي الجديد.
زيارة المقام
وكان الشيخ ابي المنى زار قبل ذلك مقام سيدنا الشيخ أبي فارس محمود والشيخ ابو محمود سليمان عبد الخالق في مجدل بعنا على رأس وفد مرافق من المشايخ.
كما قدم التعازي في منزل الراحل ابو هيثم رفيف سلمان عبد الخالق.



