Santé

الحركة النسوية وأثرها على الزواج

الدكتورة سناء الصيادي

بدأ التغير يطرأ على معايير الزواج والعلاقات الزوجية مع أواخر القرن العشرين، ولعل سمة القرن الحادي والعشرين في هذا الإطار كانت ارتفاع نسبة الطلاق بشكل صاعق.

فما هو الدور الذي لعبته جمعيات توعية المرأة في هذا السياق؟ وهل اتبعت برنامجاً شاملاً للتوعية يأخذ بعين الإعتبار سمات المجتمع وعناصره كافة؟

وإلى أيّ مدى تحقق النجاح في خلق النضج في العلاقات عند الفتيات؟

وكيف كان التأثيرعلى كلا الزوجين؟

زواج الإناث المبكر

يعتبر الزواج المبكر رأس الحربة في المعارك التي قادها المجتمع المدني لإنطلاقة الحركة النسوية مستنداً على براهين صحية تزعم خطورة الحمل والإنجاب للفتيات في سن المراهقة، متجاهلاً الأحكام الدينية الموثقة بالتقاليد السائدة والتي تحثّ على الزواج المبكر..

 

والركيزة الأساسية أن تتحصن الفتاة بقدر من العلم والوعي قبل الإقدام على الزواج لمعايير عدة لا شك بإيجابياتها كالإرتقاء بتربية الأولاد ولتأمين الإكتفاء الذاتي لمواجهة غدر الزمن..

 

وفي سياق الاندفاع لإيجابيات الفكرة غاب عن ذهنهم الصراع ذو الوجهين الذي ستواجهه الفتاة، الأول مع الأهل الذين ترسخت في أذهانهم أفضلية الزواج المبكر للفتيات، والثاني الصراع الذاتي مع شبح العنوسة الذي كان يلوح بعمر الثمانية عشر، تحت إلحاح جذور التربية التي تحثّ الفتاة منذ حداثة نشأتها على إيجاد الشريك لأن الأنثى بحاجة لسند ودعم…

ومن خلال تواصلي المباشر مع تلميذات المرحلة الثانوية لفترة لا يستهان بها أؤكد أن أغلب فتيات هذا العصر ينصَبُّ تركيزهم على الزواج أكثر من الرياضيات واللغات، ويحلمون بالحب والعريس أكثر ممّا يسعين لنيل درجة عالية في الفيزياء. بل إن بعض الفتيات يخضن حرباً مع الأهل ليتزوجوا قبل انهاء المرحلة الثانوية، والعكس صحيح….

المرأة “الشوفينية”

لا شك بأنّ رياح الحركات النسوية حملت في طياتها عدالة المساواة وعدم تهميش المرأة، ولكنّ الصواب إذا ما تخطى حده تشوبه العيوب..

ثملت بعض النساء بالأفكار الجديدة غافلةً عن أنوثتها وعن المميزات التي تزين شخصية الأنثى.

اختلط الأمر على بعضهنّ وتبنّين شخصية الرجل سواءاً في إهمال ارتداء الثياب التي تظهر أنوثتهن، أو في أسلوب التخاطب وأيضا في استخدام بعض التعابير.. وهؤلاء غالباً لا يَعِيْنَ أنّ أفضلية الرجل تسيطر عليهن في اللاوعي ولم يستطعن التملّص منها، فخيِّل لهنّ أنّ تقمّص بعض سلوكياته سيعزز مكانتهن في المجتمع.

ومنهنّ اللّواتي حافظن على أنوثتهن وسعين لتبوؤ مناصب مهمة، ولكن انحرف في ذهنهن مفهومُ المساواة وتهيّأ لهنّ أنّ تحقيقه لا يكون إلا بالتقليل من قدر الرجل -خاصة الشريك- بأساليب غير مباشرة كالإيحاء شبه الدائم بتفوقها عليه عملياّ أو فكرياً. وفي هذه الحال تعود نتيجة هذه الشوفينية لشخصية الشريك.

فمع ذوي الشخصية الضعيفة ستنجح المرأة في فرض سيطرتها الكاملة، أمّا مع الرجل الناضج والواعي لما يحدث، فإنها ستخوض معه حرباً صعبة.

لا بد من التطرّق إلى أنني قدمتُ هذا الطرح قبل الانتقال الى الطرح التالي كي لا أُتهم بالتحيز مع المرأة، ففي بعض الحالات تتحمّل هي مسؤولية فشل العلاقات، والحل يكمن في اكتشافها للتوازن المطلوب.

الذكورية والمرأة العاملة

في المشهد الآخر والسائد في المجتمع الطرابلسي إناثٌ آمنّ بأهمية وأحقية تعلّم المرأة وعملها ويرفضن التهميش، ولكن لم يجرفهن الطوفان، بل إعتلين قارب التمسك بالأنوثة ومقوماتها ومميزاتها شكلاً وأسلوباً وفكراً لمواكبة موجة التغير. وهؤلاء يملكن من النضج والوعي ما يكفي للفصل ما بين الشخصية العملية وشخصية الزوجة.. هنّ إناث أدركن أنّ الأنوثة والعاطفة لا تتناقض مع التميز في العمل، والعكس صحيح. ويعِينَ تماماً أنّ دعم دور الرجل في الأسرة يعزّز مكانة الزوجة وأنوثتها.

هذه الشخصية المتميزة التي ناضلت لتحقيق هذا التوازن تواجه غالباً أصعب المواقف في حياتها الزوجية…

إنّ صوابية الحركات النسوية إضافة إلى الفائدة التي يحصل عليها الرجل من الزواج بامرأة متعلمة وعاملة معنوياً ومادياً وعلى الصعيد العائلي دفعوا الأخير للإقرار بحقوق المرأة.

ربما ينبع هذا الإقرار من وعيٍ وقناعةٍ تامة، وربما ينتفي التصادم في حال تمتع الزوج بثقافة موازية وبشخصية متوازنة وعقل راجح..

ولكن للأسف، فإن أغلب التجارب مع الرجل الشرقي المثقل بالذكورية أثبتت أن التصادم كان حاداً.

فإنّ نجاح المرأة وتفوّقها “حق”، و لكن عندما تكون امرأته فإن صورتها تتبعثر مع صورة جدته وأمه التي نشأ على أنها صورة المرأة المثالية، وقناعاته الراسخة تحارب التعديل الذي يواجهه.

 

غالباً، هو يبدأ باتهامها بالتقصير في واجباتها المنزلية والزوجية، ومن هنا برزت ظاهرة العاملات الأجنبيات الدائمات أو أنّ الزوجة تضطر للعب دور المرأة الخارقة لتجنب الإنتقاد والتصادم في هذا الإطار.

 

وإذا نجحت المرأة في تخطّي هذا الحاجز يعتبر الرجل “الذكوري” وكأن في الأمر تهديداً لموقعه الاجتماعي والعائلي، فهو يشعر أنه “يخسر الكرسيّ الفاخر على رأس المائدة” فينتقل إرادياً أو لاشعورياً الى سياسات التحطيم المعنوي للزوجة بشتى الأساليب كالتحقير اللفظي والفوقية بالتعامل، وقد يصل الأمر إلى الإيذاء الجسدي، وأحياناً يلجأ إلى الأسلوب التقليدي الذي يعزز ذكوريته ويصيب المرأة في كرامتها وأنوثتها وهو “العلاقات النسائية”.

 

و هذه برأيي أهم أسباب ارتفاع نسبة الطلاق، فالمفترض توعية المجتمع والذكور أولاً على أهمية حصول المرأة على حقوقها وإلا فإن أروقة المحاكم لن تتخلص من إزدحام قضايا الإنفصال.

 

ولا بد من البدء بالتفكير الجدي بمعالجة “شوفينية المرأة” و”ذكورية الرجل”.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى