
مع كل موجة برد، يردد الملايين عبارة “أشعر بالبرد في عظامي” وكأنها حقيقة مسلم بها. لكن العلم يقول شيئا مختلفا ويؤكد أن العظام تتأثر بالبرد بطرق لا نتخيلها.
ومن المعروف أن جسم الإنسان مصمم للعمل بكفاءة عند درجة حرارة 37 درجة مئوية تقريبا. لكن أطرافنا مثل اليدين والقدمين يمكن أن تكون أكثر برودة بما يصل إلى 6 درجات. وهناك عوامل متعددة تؤثر على شعورنا بالبرد، منها العمر والجنس والحالة الصحية.
فكبار السن يشعرون بالبرد أكثر من الشباب، والنساء أكثر حساسية للبرد من الرجال.
والمفاجأة أن العظام نفسها لا تشعر بالبرد بالطريقة التي نشعر بها، فهي تفتقر إلى المستقبلات الحساسة لدرجة الحرارة الموجودة في الجلد. وهذا منطقي لأن العظام مدفونة تحت طبقات من العضلات والأنسجة والجلد. إذاً، من أين يأتي هذا الإحساس العميق بالبرودة؟
تكشف دراسة في علم التشريح أن العظام ليست معزولة تماما عن تأثيرات البرد، فهي تتأثر بالبرد بطرق غير مباشرة، من خلال الأنسجة المحيطة بها، وتغيرات الدورة الدموية، وحتى نقص فيتامين D في الشتاء.
فالغلاف الخارجي للعظم، المعروف باسم “السمحاق”، يحتوي على شبكة من الأعصاب التي تستشعر التغيرات في درجة الحرارة، خاصة البرودة. وهذه الأعصاب يمكنها إرسال إشارات تشبه إشارات الألم، والتي قد نفسرها نحن على أنها شعور بالبرد في العظام.
والأهم أن التعرض المطول للبرد لأسابيع يمكن أن يؤثر فعليا على صحة العظام، فيقلل طولها وسمكها وكثافتها المعدنية.
الأنسجة الأخرى هي المتضرر الأكبر
الأنسجة المحيطة بالعظام هي الأكثر تأثرا بتغيرات الطقس. فالسائل الزلالي الذي يزلق المفاصل يزداد كثافة في الطقس البارد، ما يجعل الحركة أكثر صعوبة وإزعاجا، خاصة لمن يعانون من التهاب المفاصل. كما أن الأوتار والأربطة تصبح أكثر تيبسا، ما يجعل العضلات تبذل جهدا أكبر لتحريك العظام ويقلل من نطاق الحركة.
وفي الوقت نفسه، يقل تدفق الدم إلى الأطراف، وهي آلية وقائية للحفاظ على حرارة الأعضاء الحيوية في الجسم. وهذا الانخفاض في تدفق الدم يزيد من انكماش الأنسجة ويزيد من الشعور بالتيبس.
دور الشمس وفيتامين D
هناك عامل آخر لا يقل أهمية، وهو ضوء الشمس. ففي الشتاء، خاصة في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، تصبح الأيام قصيرة والسماء رمادية. في لندن مثلا، متوسط سطوع الشمس في كانون الأول لا يتجاوز 3.4 ساعات فقط.
وقلة التعرض للشمس تعني نقصا في فيتامين D الضروري لصحة العظام. والأبحاث تشير إلى أن نقص هذا الفيتامين يزيد من حساسية الألم، خصوصا آلام العضلات والعظام، كما يرتبط بزيادة القلق والاكتئاب اللذين يغيران بدورهما من تحمل الجسم لدرجات الحرارة.
والخلاصة أن مقولة “أشعر بالبرد في عظامي” ليست مجرد تعبير مجازي، بل هي وصف دقيق لتفاعلات معقدة تحدث في أجسامنا مع انخفاض درجات الحرارة.
الخبر السار هو أن هناك طرقا بسيطة للتعامل مع موجة البرد، بما في ذلك تناول سعرات حرارية إضافية، ما يمنح الجسم وقودا للتدفئة، وارتداء طبقات متعددة من الملابس التي تحجز الهواء الدافئ قرب الجسم، والحركة المستمرة تولد حرارة إضافية.



