
شيخ العقل في خطبة عيد الاضحى: لإخماد نيرانِ الحرب والخصام وإنارة طريقِ العدل والسلام
رأى شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز الشيخ الدكتور سامي أبي المنى ان لبنان يمر بمنعطف كبير، نتيجة التجاذبات السياسية والصراعات المذهبية والانهيارات المالية، وللتدخُّلات الخارجية المؤثّرة في تقرير مصيره ودوره، ولهمجية الاعتداءات المتكررة على سيادته، ولضياع دولته، وتجاوزٍ داخليٍّ لدستورِه وقراره. آملا بأن تساهم القمة الروحية المزمع انعقادها في دار الطائفة، في التعاطي بمنتهى الوعي والحكمة والروح الوطنية والعقلانية في هذا الظرف الحَرِج، بدءاً بالضغط القويّ لوقف الحرب وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، وتحمُّل الدولة مسؤولية حفظ سيادة الوطن وصون أمانتِه وتحرير أرضِه.
أمّ الشيخ ابي المنى المصلّين صبيحة عيد الاضحى المبارك في مزار المرحوم الشيخ ابو حسين شبلي ابي المنى في بلدة شانيه، بمشاركة جمع من المشايخ واعضاء ومسؤولين في المجلس المذهبي ومشيخة العقل. وقال في خطبة العيد:
“الحمدُ لله ربِّ العالمين والصلاةُ والسلامُ على سيِّد المرسَلين وعلى آله وصحبِه الطيّبين وعلى أنبياءِ الله الطاهرينَ أجمعين… الحمدُ لله الذي نِعَمُه لا تُحصى وإحسانُه لا يُنسى… الحمدُ لله على الدَّوام، في كلِّ بَدءٍ وختام. الأخوة الموحِّدون، أيُّها المسلمون جميعاً، أمّا وقد أطلَّ العيد، وانقضتِ الليالي العَشرُ المباركة، ليالي الجمع والتلاقي على المحبة وطاعة الله التي بدونها لا يكون عيدٌ ولا تحلو مناسبة ولا تتحقَّقُ سعادة، والتلاقي على الرحمة التي أُرسل النبيُّ لأجلها، والتي لولاها لأظلمَ الكونُ بالقهر والظلم والفساد. أمَّا وقد اكتملت ليالي التوبة والسعي إلى التقرُّب من الله تعالى بالمجاهدة والمذاكرة والتلاوة، فقد أشرق فجرُ الأضحى في القلوب والعقول،شهادةً بوحدانية الله عزّ وجلَ وفردانيته، وبرسوله الأمين حاملِ أمانة التوحيد، وصلاةً نرتقي بها من واجبٍ وفريضة إلى معنىً أسمى يتجلّى في العيش الدائم والصادق مع الله، وصومَاً نُحوِّلُه من اختبارٍ ظاهرٍ إلى امتناعٍ كليّ عن الشهوات والملذّات الدنيوية والاعتقادات الفاسدة وعن كلّ ما لا يُرضي اللهَ عزَّ وجَلّ، وزكاةً نَرفعُها إلى مرتبة عمل الخير والمعروف لحفظ الأهل والمجتمع والتزكية بالقدر الوافي ممّا نملك من مالٍ وعلمٍ وقدرةٍ على الإصلاح، وحجّاً نجعلُه سبيلاً لمن استطاع إليه سبيلاً، ولمن لم يستطع، لبلوغ القصد الأسمى، وهو السعادةُ الحقيقية والاطمئنانُ الكلّي في كنفِ الله سبحانه وتعالى. عسى أن نكون وإيَّاكم، أيُّها الأخوةُ والأحبّة، ممَّن أحسنوا الولاءَ وجاهدوا في سبيل الله، فنذروا أيامَهم ولياليَهم المباركةَ للعفّة والذِّكر والتِلاوة والزكاة والصلاة والإنابة، تهذيباً لعمل الجوارح، وتسليماً بالطاعة إلى حكمة الله، واستشعارًا بلطافة المعنى ليكون سبيلاً إلى التحقّق بنعمة الوجود، وعسى أن نكون وإيَّاكم ممّن لبَّوا نداءَ الأضحى فشهِدوا منافعَه الجَمّة، كما جاء في وعدِ الله بقولِه تعالى: “لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ”، وممّن فازوا في رحلة الحجِّ، مجاهدين، صادقين بإحرامهم وسعَيهم وطوافهم وتضحيتِهم، فبلغوا مقاصدَ “الأضحى” العليا، وقدّموا الضحيّةَ إلى الله سبحانه وتعالى قرباناً خالصاً ودلالةً بيِّنة على طاعته وإثباتا دامغاً على الاستعداد للتخلي عن مَتاع الدنيا ومقتنياتها لأجل الخير، الذي حقيقتُه النفورُ من كلّ ضدّية، والإئتناسُ بكلّ لطافةٍ روحيّة”.
اضاف: “إخواني، أيُّها المسلمون الموحِّدون، نستوحي من العيدِ غايتَه ومعناه، ونستلهمُ من الدينِ سُبُلَ المواجهة والخلاص، فنختارُ ولا نحتار، مستندين إلى كتاب الله العزيز وإلى سُنّة نبيِّ الرحمة وأخوته الأنبياء والمرسلين وأئمّة الخير والدين، وإلى فَيض أُولي الحكمة والعرفان عبر الزمان، ونهج السلف الصالح من شيوخِنا الأطهار الثِّقات أربابِ المسلك التوحيدي، ونُدركُ وتُدركون أنَّ التجرُّؤَ على الدين وعلى نهج العلماء الأتقياء أصبح مُتاحاً في هذا الزمن الرديء لقلّةٍ من الناس المرتهَنين لمشاريع التفتيت وزرع الفتنة وضرب الهويّة، ولكنَّ الواجبَ يقضي والحقيقةَ تُوجِبُ ألَّا نتخلّى عن ثوابتِنا تحت أيِّ ضغط، وأن نستمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾، داعين إلى الترفُّع عن الإساءات والسجالات، وإلى الالتزام بنهج الصلاح والإصلاح، وإلى جمع الشمل الروحي ووحدة الكلمة والموقف، والثبات على ما توارثناه من أصالةٍ وعزَّة وكرامة، ومن نهجٍ توحيديٍّ أصيل وخُلُقٍ معروفيٍّ جميل ومجدٍ وطنيٍّ عربيٍّ أثيل”.
وتابع: “الأخوة المسلمون، أيُّها اللبنانيون جميعاً، تستدعينا المناسبةُ هذه السنة للوقوف مليَّاً أمام واقع البلاد،في منعطفٍ تاريخيٍّ دقيقٍ ومعقَّد، فلبنانُ الذي تغنّى به آباؤنا وأجدادُنا يكادُ أن يَضيعَ من أبنائنا، بل وأن يَرفُضَه أحفادُنا، لا لتبدُّلِ طبيعته الجميلة وتغيُّر مناخِه المتنوِّع، لا سمح الله، بل لكَثرة التجاذبات السياسية والصراعات المذهبية والانهيارات المالية فيه، ولارتباطه التلقائي بالتدخُّلات الخارجية المؤثّرة في تقرير مصيره ودوره، ولهمجية الاعتداءات المتكررة على سيادته، ولضياع دولته بين تدخُّلٍ من هنا وتداخلٍ من هناك، وبين اعتداءٍ إسرائيليٍّ متوحِّشٍ على أرضه وسمائه ، وتجاوزٍ داخليٍّ لدستورِه وقراره”.
واردف: “أيُّها الأخوةُ الأفاضل، تمرُّ مناسبةُ الأضحى المبارك هذه السنة مترافقةً مع ذكرى التحرير الوطنية، بما فيهما من معاني التضحية؛ تضحيةٍ في مقاومة الظلم ودحرِ العدوان والاستشهاد في سبيلتحرير الأرض، وتضحيةٍ في مقاومة النفس الأمّارة بالسُّوء ودحرِ رغباتِها وقتلِ أناها، اقتداءً بالنبي إبراهيم (ع) واقتفاءً لأثر خاتم النبيّين محمّد بن عبد الله (ص) بما أُنزل عليه من آياتٍ كريمة، ودعوةً إلى تقديم القرابين لخلاص النفوس والأوطان، إذ لا قيامةَ بدون فداء، ولا سعادةَ بغير سعيٍ وبذلٍ وإيثار، فهل نَجُدُّ السعيَ ونَبذُلُ الجُهدَ في سبيل صلاح مجتمعِنا، أم نَجلِسُ مراقبين متفرِّجين؟ وهل نُضحّي بأنانياتِنا وعصبيّاتِنا من أجل خلاص الوطن، أم يتشبَّث كلٌّ منّا بما لديه من قوّةٍ أو موقفٍ أو قرار؟ أما آن الأوانُ لنتيقّنَ أننا جميعاً في مركبٍ واحد، وأنّ الأنواءَ خطيرةٌ والأمواجَ عتيّة والعدوَّ شرسٌ وطمَّاع، وأنّ سلاحَنا الأقوى هو موقفُنا الموحَّد وإراداتُنا المتماسكة ووحدتُنا الوطنية؟ لقد أعلنّاها مراراً أننا نقفُ الى جانب الدولة ونُحمِّلُها المسؤوليةَ في الوقتِ ذاتِه، ونشعر معها بضخامة التحدّيات التي تواجهُ البلادَ على أكثرَ من صعيد، مقدّرين مبادراتِها لمعالجة القضايا المعيشية، ودورَها في مواكبة كارثة النزوح من القرى الجنوبية المدمَّرة والمعرَّضة باستمرار للهجمات العدوانية، كما نؤازرُها في مهمّاتها الدبلوماسية وسعيها الدؤوب لإنقاذ لبنانَ وتحقيقِ الاستقرار، وفي تحمُّلِها مسؤوليةَ حفظِ الأمن والدفاع عن البلاد، ونسألُها بالمقابل لِأن تؤازِرَ اللبنانيين في بحثهم الدائم عن الأمان والاستقرار والعيش الكريم، بما يعزّزُ ثقتَهم بوطنهم ويشجّعُ المهاجرين منهم للعودة والمساهمة في البناء ونهضة الوطن”.
ومضى شيخ العقل يقول: “إخواني، أيُّها القادةُ، أيُّها اللبنانيُّون، إنها مسؤوليةُ الجميع: رئاسةِ الجمهورية والمجلسِ النيابي والحكومة والمؤسساتِ الرسمية، وفي طليعتها المؤسسةُ العسكرية، مسؤوليةٌ تتطلّبُ منّا صفاءَ النوايا ووضوحَ الرؤيةِ وتظافرَ الجهود، قياداتٍ روحيةً وأحزاباً وقياداتٍ سياسية وقطاعاتٍ مصرفية واقتصادية ونُخَباً ثقافيةً واغترابية ومؤسساتٍ خاصة، إذ علينا أن نكونَ جميعاً حكماءَ مُتبصِّرينَ بعواقب الأمور، متناغمين، متعاونين، وعاملين باندفاعٍ وإخلاص من أجل استعادة الأمل بالوطن، وطرد اليأس من القلوب، وتعزيز روح الانتماء والوطنية في عقول ابنائنا وقلوبهم قبل فوات الاوان. إننا إذ نرفعُ الدعاءَ ونؤدِّي الصلاةَ في الأيام والليالي المباركة، كما في كلّ آن، من أجل خلاصِ نفوسِنا وخلاصِ لبنان، فإننا نتوسَّلُ إليه تعالى أن يَلجُمَ أعداءَ لبنانَ عمّا يُسيءُ إلى وحدتِه وسلامتِه، وأن يُلهمَنا جميعاً للصواب ويمنحَنا القدرةَ لتجاوزِ الصِّعاب، ولنا في القمّة الروحية، التي سنتشرّفُ باستضافتها في دار طائفة الموحدين الدروز بعد أيام، أملٌ كبيرٌ بأن تعكس صورةَ المشهدِ الروحيّ والوطنيّ الجامع، وأن تساهمَ في حثّ الدولة والقادةِ الوطنيَّين جميعِهم ودُعاةِ التفاوض وسُعاةِ الخير من الداخل والخارج، للتعاطي بمنتهى الوعي والحكمة والروح الوطنية والعقلانية في هذا الظرف الحَرِج، بدءاً بالضغط القويّ لوقف الحرب وانسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، وتحمُّل الدولة، بدعم أبنائها، كاملَ المسؤولية في تأكيد سيادة الوطن وصون أمانتِه وتحرير أرضِه”.
وختم الشيخ ابي المنى بالقول: “اللهمّ، ببركة العيد ولياليه، وبجليل غاياته ومراميه وبعظيم عِبَرِه ومعانيه، وبصدى الصلوات والأدعية والمناجاة الصاعدة من صدور المؤمنين الموحِّدين فيه، أن تجمعَ شملنا، وتُبدِّدَ كَربَنا، وتُصلحَ أمرَنا، وتَرحمَ شهداءَنا، وتُبلسمَ جراحَ المصابينَ من أهلِنا، وتُعينَ النازحينَ منهم للعودة الآمنة إلى ديارِهم، وأن تأخذَ بأيدي قادةِ الرأي والبلاد عندنا لاتّخاذ القرار الأنسب تدارُكاً لما هو أسوأ، وتثبيتاً لما هو أصلح، وتُلهمَنا وإيَّاهم للتمسُّك بما يجمعُ وترك ما يُفرِّق، ولتغليب مصلحة الوطن على ما عداها، ولإخماد نيرانِ الحرب والخصام وإنارة طريقِ العدل والسلام. إنَّه سبحانه وتعالى نعم النصيرُ ونعم المُعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاتُه”.



