Uncategorized

د.ميلاد السبعلي: الشرق الأوسط التالي: من وهم الحسم إلى صراع الموقع بين أميركا والصين

كتب الدكتور “ميلاد السبعلي:
الشرق الأوسط التالي: من وهم الحسم إلى صراع الموقع بين أميركا والصين

أولاً: لحظة انكشاف لا لحظة انتصار

لم يكن الاتفاق الأميركي ـ الإيراني المتداول نهاية للصراع، ولا إعلان انتصار، بل لحظة انكشاف: إيران صمدت، إسرائيل لم تحسم، وواشنطن لم تستطع إدارة حرب مفتوحة في قلب منظومة الطاقة العالمية بلا كلفة عالية.

ما يجري هو انتقال من الحرب إلى التفاوض القسري. فلا إيران انتصرت بلا أثمان، ولا أميركا فرضت الاستسلام، ولا إسرائيل حوّلت تفوقها العسكري إلى نظام إقليمي جديد. لذلك تدخل المنطقة مرحلة توازنات مفروضة، لا يستطيع فيها أي طرف إلغاء الآخر.

ويتجاوز التحول حدود الإقليم. فواشنطن تعيد تعريف دورها داخل شبكة عالمية من الطاقة والتجارة والتكنولوجيا والممرات والمعادن والذكاء الاصطناعي. لذلك يُقرأ التفاهم مع طهران كجزء من محاولة أميركية لتخفيف كلفة الحروب وإعادة ترتيب سلاسل الإمداد.

لكن الأهم أن هذه اللحظة لا تكشف ميزان القوى الإقليمي فقط، بل تفتح سؤال النظام العالمي الجديد: هل يتحول الشرق الأوسط إلى شبكة احتواء أميركية تفصل المجال العربي ـ الإسلامي عن الصين، أم تنجح دوله الأساسية في صناعة موقع متوازن بين القوى الكبرى؟

ثانياً: إسرائيل القلقة وسقوط السردية المستعجلة

ردّ الفعل الإسرائيلي هو أوضح دليل على أن ما جرى ليس نصراً حاسماً. فإسرائيل لا تتصرف كمن أنهى الخطر الإيراني، بل كمن يخشى أن يتحول التفاهم الأميركي – الإيراني إلى قيد على حريتها العسكرية، خصوصاً في لبنان والشام. كانت تريد من الحرب أن تكسر البرنامج النووي الإيراني، والقدرة الصاروخية، وشبكة النفوذ الممتدة من حزب الله إلى اليمن والعراق والشام، وأن تفتح ما سُمّي “العصر الإسرائيلي”. لكن الاتفاق العتيد لا يحسم هذه الملفات، بل يعيدها إلى التفاوض.

هنا سقطت أيضاً السردية العربية المستعجلة التي أعلنت نهاية إيران وهزيمة حلفائها وجهوزية المنطقة للالتحاق بالمشروع الأميركي – الإسرائيلي. فإيران لم تمر جثة في النهر، بل جلست إلى طاولة التفاوض؛ وإسرائيل لم تعلن نهاية الخطر، بل طالبت بحرية العمل الحربي؛ وأميركا لم تفرض استسلاماً، بل بحثت عن مخرج تفاوضي. المشكلة ليست في نقد إيران، بل في تحويل النقد إلى سياسة مبنية على التمني. فالمنطقة لا تُدار بالشماتة، بل بحساب من بقي، ومن تراجع، ومن يستطيع تحويل المأزق إلى موقع تفاوضي.

ثالثاً: الاتفاقات الإبراهيمية كحلف احتواء جديد

في الرؤية الترامبية، ليست الاتفاقات الإبراهيمية مجرد مصافحة دبلوماسية أو مشروع سلام روحي بين أتباع “الديانات التوحيدية”، بل نواة شبكة اقتصادية ـ أمنية تريد واشنطن من خلالها إعادة ربط الخليج وشرق المتوسط وتركيا وباكستان وممرات الطاقة والتجارة والتكنولوجيا ضمن هندسة أميركية جديدة. فالاسم الإبراهيمي يمنح المشروع غلافاً دينياً ناعماً، لكنه في جوهره مشروع مادي – جيوسياسي لإعادة تثبيت النفوذ الأميركي في مواجهة صعود الصين.

بهذا المعنى، تبدو الاتفاقات الإبراهيمية شبيهة بحلف بغداد جديد، لكن بأدوات القرن الحادي والعشرين: الموانئ، والممرات، والذكاء الاصطناعي، والمعادن، وسلاسل الإمداد، والاستثمارات. وهنا يمكن استحضار صاموئيل هانتنغتون باختصار: فقد حذّر في” صدام الحضارات” من احتمال تقاطع العالم الإسلامي مع الصين في مواجهة الغرب. أما ترامب فيحاول عكس هذا الاحتمال عبر استمالة المسلمين إلى المشروع الأميركي باسم “الديانات الإبراهيمية”، وإعطاء إسرائيل وظيفة ضابط الإيقاع لهذه الشبكة، على أمل أن تضم معظم الدول الإسلامية الفاعلة وتمنع التحاقها بالمحور الصيني. ولذلك نراع يطلب من الدول التي سهلت الاتفاق مع إيران، التوقيع فوراً على الاتفاقات الابراهيمية، ويتمنى حتى أن تقوم إيران بذلك يوماً ما.

غير أن هذه الهندسة كانت تحتاج إلى نصر إسرائيلي حاسم كي تبدو قابلة للتحقق. أما بعد صمود إيران، وقلق إسرائيل، وعودة واشنطن إلى التفاوض، فلا يستطيع الشرق الأوسط دخول هذه الشبكة بوصفه مجموعة وظائف أمنية في مشروع الآخرين. فإذا لم تتحول الشام ولبنان والعراق والأردن وفلسطين واليمن إلى دول فاعلة وشبكات تعاون سيادي، وإذا لم تنتهج السياسة الخليجية مساراً متوازناً بدل اللحاق الأعمى بالمشروع الأميركي ـ الإسرائيلي، فإن “السلام عبر الازدهار” سيصبح استقراراً بلا عدالة، وتجارة بلا سيادة، وممرات بلا دول.

رابعاً: الخليج والدول الإسلامية الكبرى بين الالتحاق وصناعة التوازن

لو تحقق انتصار إسرائيلي حاسم، لبدت الاتفاقات الإبراهيمية الطريق الطبيعي أمام السعودية ودول الخليج: تطبيع تدريجي، تعاون أمني وتكنولوجي، واندماج في شبكة إقليمية تقودها واشنطن عبر تل أبيب. لكن صمود إيران، وقلق إسرائيل، وعودة واشنطن إلى التفاوض، فرضت مقاربة خليجية أكثر حذراً، خصوصاً لدى السعودية: تهدئة مع إيران، حماية أمن الطاقة، الحفاظ على العلاقة مع واشنطن، وعدم قطع الجسور مع الصين.

هنا يظهر التمايز بين السعودية والإمارات. فالإمارات أكثر ميلاً إلى البراغماتية الاقتصادية والتكنولوجية المرتبطة بمسار التطبيع، بينما لا تستطيع السعودية، بحكم حجمها وموقعها الديني والطاقوي والسياسي، اختزال العلاقة مع إسرائيل في حساب أمني أو اقتصادي فقط. أي انفتاح سعودي يحتاج إلى وقف الحروب، ومسار حل فلسطيني واضح، وحماية موقع المملكة القيادي في الخليج والعالم الإسلامي.

في هذا السياق، تبرز ملامح تنسيق بين السعودية ومصر وتركيا وباكستان، لا كتحالف عسكري مغلق، بل كبحث عن توازن لا يترك المنطقة بين ثنائية إيران وإسرائيل، ولا يجعلها رهينة القرار الأميركي وحده. أما الهند، فهي قوة آسيوية مستقلة تتحرك وفق مصالحها القومية، ويمكن أن تكون شريكاً اقتصادياً واستراتيجياً في الممرات والأسواق والتكنولوجيا. وهكذا، ليست المسألة في رفض التعاون مع أميركا، بل في رفض التحول إلى حلف بغداد جديد لتطويق الصين؛ فالمطلوب موقع متوازن، لا التحاق أعمى بمحور ضد محور.

خامساً: الشام ولبنان والمشرق من الوظيفة الأمنية إلى الدولة

تكشف أوضاع الشام ولبنان حدود سياسات كانت ستبدو أسهل لو انتصرت إسرائيل. ففي الشام، كان يمكن للحكم أن يقدّم نفسه كسلطة تضبط الحدود، وتبعد إيران، وتطمئن إسرائيل، ولو بقي الداخل محكوماً بمنطق أحادي لا يطمئن المكوّنات. وفي لبنان، كان يمكن للحكم أن يلتحق بالمحور الأميركي – الإسرائيلي على فرضية سقوط إيران وانتهاء حزب الله. لكن هذه الفرضية سقطت.

لذلك تحتاج الشام إلى عقد وطني جديد: حياة سياسية أوسع، طمأنة للمكوّنات، وجيش وطني جامع لا فصائلي ولا تابع. ويحتاج لبنان إلى طريق ثالث: لا الالتحاق بإسرائيل، ولا البقاء “جبهة عند الحاجة”، بل دولة سيادية تبحث موضوع سلاح حزب الله ضمن استراتيجية دفاعية وطنية، لا كشرط إذعان خارجي ولا كذريعة لتعليق الدولة.

ومن هنا يصبح التفكير بما يشبه مجلس تعاون مشرقي ضرورة استراتيجية: إطار مرن يضم الشام ولبنان والعراق والأردن وفلسطين للتنسيق في الحدود، والطاقة، والمياه، والتجارة، واللاجئين، وإعادة الإعمار، والربط الكهربائي والطاقوي، ومكافحة التهريب، والتعليم، والصحة، والتحول الرقمي. فالغاية ليست بناء محور عسكري، بل كتلة مصالح تمنح المشرق وزناً تفاوضياً أكبر. وإذا بقي المشرق ساحات متفرقة سيُدار من الخارج، أما إذا تحول إلى شبكة مصالح مشتركة فسيعود طرفاً فاعلاً لا مجرد ساحات لتبادل الرسائل.

سادساً: الإقليم داخل النظام العالمي الجديد

لا يمكن فهم الشرق الأوسط المقبل خارج الانتقال من هيمنة أميركية أحادية إلى تنافس مركّب بين الولايات المتحدة والصين وروسيا والهند. فواشنطن تحاول إعادة تثبيت موقعها عبر الطاقة والتكنولوجيا والتحالفات المرنة، والصين تتقدم عبر التصنيع والبنى التحتية والأسواق، وروسيا تحافظ على حضورها عبر الطاقة والسلاح، فيما تصعد الهند كقوة آسيوية مستقلة. لذلك لم يعد الصراع العالمي يدور حول الحدود فقط، بل حول السيطرة على التدفقات: الطاقة، السلع، البيانات، المعادن الحرجة، سلاسل الإمداد، الممرات، والاستثمارات.

من هنا تأتي أهمية الاتفاقات الإبراهيمية في المشروع الأميركي: فهي ليست مجرد تطبيع، بل محاولة لتنظيم هذه التدفقات تحت سقف أميركي، ومنح إسرائيل وظيفة مركزية في ضبط الإيقاع الإقليمي، وربط الخليج والمشرق وتركيا وباكستان بالممرات والأسواق والتكنولوجيا بعيداً عن الصين. لكن الشرق الأوسط لا يستعيد أهميته إذا تحول إلى ممرات بلا سيادة. فهرمز وباب المندب والبحر الأحمر وشرق المتوسط مفاتيح في أمن الطاقة والتجارة؛ والخليج لم يعد نفطاً فقط، بل مالاً وذكاءً اصطناعياً ومراكز بيانات؛ والمشرق ليس ساحات نزاع فقط، بل ممراً بين آسيا وأوروبا؛ واليمن، من زاوية باب المندب، يبقى عقدة في أمن البحر الأحمر لا ملفاً محلياً معزولاً. أما فلسطين، فتبقى الاختبار السياسي والأخلاقي لأي نظام يريد بيع الاستقرار من دون عدالة.

لذلك، فالتحدي ليس أن تدخل المنطقة في شبكات الطاقة والممرات والتكنولوجيا، بل أن تدخلها بشروطها. المطلوب تحويل الجغرافيا إلى قوة تفاوضية، والممرات إلى سيادة، والاستثمارات إلى نهضة، والشراكات الدولية إلى توازن لا تبعية. فمن لا يملك مشروعه داخل النظام العالمي الجديد، لن يكون شريكاً فيه، بل ممراً أو قاعدة أو سوقاً أو وظيفة أمنية في مشروع غيره.

الخاتمة: من الساحات إلى صناعة الموقع

الشرق الأوسط التالي لن يُبنى على جثة إيران، لأنها لم تمر في النهر؛ ولا على “عصر نتنياهو”، لأن إسرائيل نفسها قلقة؛ ولا على تفويض أميركي مطلق، لأن واشنطن تفاوض حين ترتفع الكلفة؛ ولا على أحلام إيرانية مفتوحة، لأن إيران تحتاج إلى تهدئة ومخارج اقتصادية وضبط لجبهاتها.

إنه شرق أوسط التوازنات القسرية، حيث تحاول واشنطن تحويل الاتفاقات الإبراهيمية إلى حلف احتواء جديد، بلباس ديني ناعم، يستميل الدول العربية والإسلامية إلى المشروع الأميركي، ويفصلها عن الصين، ويمنح إسرائيل وظيفة ضابط الإيقاع في شبكة الممرات والطاقة والتكنولوجيا والاستثمارات. لكنه مشروع يصطدم بواقع جديد: إيران لم تسقط، إسرائيل لم تحسم، والخليج لم يعد مستعداً للالتحاق الأعمى بمحور أميركي – إسرائيلي يشبه حلف بغداد جديداً لتطويق الصين.

لذلك تبرز أهمية محاولة الدول الإسلامية الأساسية، من السعودية ومصر إلى تركيا وباكستان، بناء موقع متوازن بين أميركا والصين، لا موقع تابع في محور مغلق. فهي تحتاج إلى واشنطن في الأمن والتكنولوجيا، وإلى الصين في التجارة والبنى التحتية والأسواق، وإلى علاقات إقليمية تضبط إيران وإسرائيل معاً، من دون أن تتحول إلى أدوات في صراع القوى الكبرى.

في هذه اللحظة، لا يكفي أن يختار العرب محوراً وينتظروا المنتصر. المطلوب أن يعودوا إلى السياسة بوصفها صناعة موقع: أن ينتقل المشرق من الساحات المتفرقة إلى تعاون مشرقي، وأن يُقرأ اليمن كعقدة مستقلة لا كملحق، وأن يحوّل الخليج تعدد شراكاته إلى سياسة توازن لا إلى ارتباك بين القوى.

فالسؤال الحقيقي لم يعد: من انتصر، إيران أم إسرائيل؟ بل: هل تستطيع الدول العربية والإسلامية الأساسية مغادرة موقع المتفرج إلى موقع الفاعل؟ هل يقبلون أن يكونوا جسراً لتطويق الصين وضبط إيران وخدمة أمن إسرائيل، أم يبنون لأنفسهم موقعاً مستقلاً داخل النظام العالمي الجديد؟ فالمنطقة لا تدخل زمناً نهائياً لإيران، ولا زمناً نهائياً لإسرائيل، بل زمناً لا يرحم من لا يملك مشروعه. ومن لا يصنع موقعه في النظام الجديد، سيجد نفسه موقعاً في مشروع غيره.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى