
ومن هنا، فإن انتقال الملف من وزارة العدل إلى النيابة العامة التمييزية يعني إخراجه من دائرة السجال السياسي وإدخاله إلى المسار القضائي، حيث يصبح الحكم للأدلة وللقانون. فالنيابة العامة ليست طرفاً في الصراع السياسي، بل سلطة تحقيق يفترض أن تحدد ما إذا كانت هناك مخالفات تستوجب الملاحقة أو أن الوقائع لا تؤسس لأي جرم. ولذلك فإن القضية أصبحت اختباراً لاستقلالية القضاء بقدر ما هي اختبار لهيبة الدولة.
وتزداد أهمية هذه الخطوة بالنظر إلى السياق الدولي الذي يحيط بـ«القرض الحسن». فمنذ سنوات وضعت الولايات المتحدة المؤسسة على لوائح العقوبات باعتبارها جزءاً من البنية المالية الداعمة لـ«حزب الله»، ثم وسعت العقوبات لتشمل مسؤولين وشركات مرتبطة بها، متهمة إياهم بالمساهمة في تأمين التمويل والالتفاف على القيود المالية الدولية. وبالتالي، فإن الملف لم يعد قضية داخلية فحسب، بل تحول إلى أحد العناوين التي ينظر من خلالها المجتمع الدولي إلى مدى التزام لبنان بالمعايير المالية العالمية.
ولعل توقيت هذه الخطوة ليس منفصلاً عن المسار الذي تسلكه الدولة اللبنانية لإعادة بناء علاقاتها مع المجتمعين العربي والدولي. فلبنان يحتاج إلى الاستثمارات والمساعدات وإلى استعادة الثقة بقطاعه المصرفي، وهذه الأهداف لا تتحقق بمجرد إقرار القوانين، بل بإظهار أن القانون يطبق على الجميع من دون استثناء، وأن لا وجود لاقتصادات موازية أو منظومات مالية خارجة عن الرقابة الرسمية.
إن القضية اليوم ليست قضية «القرض الحسن» وحده، بل قضية مفهوم الدولة اللبنانية في السنوات المقبلة. فإما أن تنجح السلطة في تثبيت مرجعية واحدة للقانون وللنشاط المالي، وإما أن يبقى لبنان أسير تعدد المرجعيات والأنظمة الموازية، وهو ما يبدد أي فرصة لاستعادة الثقة الداخلية والخارجية.
لهذا، فإن المسار الذي بدأ من نيويورك، وانتقل عبر وزير العدل عادل نصار، ووصل إلى مكتب المدعي العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج، قد يكون بداية مرحلة جديدة عنوانها أن الإصلاح الحقيقي لا يقاس بعدد المؤتمرات أو الوعود، بل بقدرة الدولة على تطبيق القانون على الجميع. وعندها فقط يمكن القول إن لبنان بدأ فعلاً رحلة العودة إلى الدولة.



