Uncategorized

الرابع من آب… جريمة لم تنتهِ لأن العدالة لم تبدأ

ريم نورالدين

ليس الرابع من آب مجرد تاريخ في الروزنامة اللبنانية، بل هو جرحٌ مفتوح في قلب وطنٍ اعتاد أن يدفع أبناؤه ثمن الإهمال، وأن تُدفن الحقيقة تحت ركام السياسة، وأن تتحول دماء الضحايا إلى ملفات مؤجلة.
في ذلك المساء الأسود، لم ينفجر مرفأ بيروت وحده، بل انفجرت ثقة اللبنانيين بدولتهم، وسقطت معها آخر أوهام الأمان. في ثوانٍ معدودة، تحولت العاصمة إلى مدينة منكوبة، وسقط مئات الضحايا، وآلاف الجرحى، ودُمّرت أحياء بكاملها، بينما بقيت العدالة أسيرة التجاذبات، عاجزة عن الوصول إلى الحقيقة التي ينتظرها اللبنانيون منذ سنوات.
المأساة لم تكن مجرد انفجار، بل كانت نتيجة منظومة سمحت بأن يصبح الإهمال جريمة، وأن يتحول التقصير إلى كارثة وطنية. والأكثر إيلامًا أن الكارثة لم تتوقف عند لحظة الانفجار، بل استمرت مع كل يوم تأخرت فيه العدالة، ومع كل تحقيق تعثر، ومع كل أم وقفت تحمل صورة ابنها، تنتظر جوابًا لا يأتي.
لقد أصبح اللبناني يعيش على إيقاع المآسي. كلما ظن أن الجرح الأخير هو الأقسى، باغتته كارثة جديدة. تُهدم البنى التحتية، تُستنزف المؤسسات، تُهاجر الكفاءات، ويُترك المواطن وحيدًا يرمم ما تهدم بيديه، فيما يبقى السؤال نفسه يتكرر: إلى متى يبقى الإنسان في هذا البلد أرخص من الحساب؟
أي وطن يستطيع أن يبني مستقبلًا من دون عدالة؟ وأي دولة يمكن أن تستعيد ثقة شعبها إذا كانت الجرائم الكبرى تمر بلا محاسبة؟ فالعدالة ليست مطلبًا سياسيًا، وليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل هي حق لكل ضحية، ولكل أم لم تجف دموعها، ولكل طفل كبر وهو يسمع عن الحقيقة من دون أن يراها.
في الرابع من آب، لا يحتاج اللبنانيون إلى خطابات رنانة، ولا إلى بيانات تعزية، ولا إلى وعود جديدة. ما يحتاجونه هو قضاء يصل إلى الحقيقة بلا خوف، ومحاسبة تطال كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون، لأن الإفلات من العقاب لا يقتل العدالة فحسب، بل يفتح الباب أمام مآسٍ جديدة.
سيبقى الرابع من آب شاهدًا على واحدة من أكبر الكوارث التي عرفها لبنان، لكنه سيبقى أيضًا امتحانًا للدولة ولمؤسساتها. فإما أن تنتصر الحقيقة، وإما أن يبقى الوطن يدور في الحلقة نفسها؛ وطنٌ يبكي ضحاياه، ويشيّع أحلام أبنائه، وينتظر عدالةً كلما اقتربت منها، ابتعدت أكثر.
رحم الله ضحايا المرفأ، والشفاء للجرحى، والصبر لعائلاتٍ لم تطلب سوى حقها في معرفة الحقيقة. لأن الأوطان لا تُقاس بعدد ما تبنيه من حجارة، بل بقدرتها على صون كرامة الإنسان، وحماية حياته، وإنصافه عندما يُظلم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى