Exclusif

تأجيل امتحانات الطلبات الحرة: عندما يصبح مستقبل الطالب رهينة الانتظار

كتبت الاعلامية د. عُلا القنطار :أثار قرار تأجيل الامتحانات الرسمية للطلبات الحرة في التعليم العام، للشهادتين المتوسطة والثانوية العامة، إلى موعد يُحدَّد لاحقًا، موجة من التساؤلات والقلق في صفوف الطلاب والأهالي، خصوصًا أن القرار يأتي في مرحلة يفترض أن تكون مخصصة لإجراء الامتحانات وإنهاء عام دراسي طويل وشاق.

وبينما قد تفرض الظروف القانونية أو الإدارية اتخاذ قرار بالتأجيل، فإن ترك الموعد الجديد مفتوحًا من دون تحديد إطار زمني واضح يضع الطلاب أمام حالة من عدم اليقين، ويطرح علامات استفهام حول آليات التخطيط وإدارة الامتحانات الرسمية.

*بين القرار الإداري وحقوق الطلاب*

الامتحانات الرسمية ليست مجرد استحقاق إداري، بل محطة أساسية في المسار التعليمي للطالب، ترتبط بنتائج دراسية، وانتقال إلى مرحلة تعليمية جديدة، أو الالتحاق بالتعليم الجامعي، وأحيانًا بفرص العمل.

ومن هنا، فإن أي تعديل في مواعيدها ينعكس مباشرة على حياة الطلاب وخططهم المستقبلية.

أما بالنسبة إلى الطلاب الذين يتقدمون بصفة طلبات حرة، فإن الوضع أكثر حساسية، لأن معظمهم اختار هذا المسار نتيجة ظروف خاصة حالت دون انتظامهم في التعليم النظامي. وبالتالي، فإن الحفاظ على وضوح الإجراءات والمواعيد يصبح ضرورة تربوية وليس مجرد مسألة تنظيمية.

السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: إلى متى سيبقى الطالب ينتظر؟

فعبارة «إلى أجل يحدد لاحقًا» قد تكون مفهومة من الناحية الإدارية في ظروف استثنائية، لكنها تربويًا تترك الطالب أمام حالة من الغموض وعدم الاستقرار: هل يستمر في التحضير بالوتيرة نفسها؟ هل يستطيع التخطيط للمرحلة الجامعية المقبلة؟ ماذا عن الطلاب الذين لديهم التزامات مهنية أو عائلية؟

وماذا عن الذين ترتبط نتائجهم بمواعيد تسجيل جامعية أو فرص تعليمية داخل لبنان أو خارجه؟

هذه الأسئلة تحتاج إلى إجابات رسمية واضحة وسريعة، لأن الطالب لا يستطيع أن يبني مستقبله على موعد مجهول والمطلوب الوضوح قبل كل شيء.

إذا كان التأجيل أمرًا لا مفرَّ منه، فإنّ المسؤولية لا تنتهي بإصدار القرار، بل تبدأ بعده والمطلوب من الجهات المعنية وضع خطة واضحة تحدد أقرب إطار زمني ممكن لإجراء الامتحانات، وإبلاغ الطلاب بكل المستجدات عبر قنوات رسمية، وتفادي ترك الساحة أمام الشائعات والمعلومات المتضاربة التي تنتشر بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

كما أنّه من الضروري ضمان فترة تحضير كافية بعد تحديد الموعد الجديد، بما يراعي مصلحة الطلاب ويمنع تحميلهم أعباء إضافية نتيجة التأجيل.

فالطالب الذي أمضى أشهرًا في التحضير يحتاج إلى الاستقرار والوضوح، لا إلى تمديد فترة القلق والانتظار.

*الامتحان حق ومسؤولية*

إن الحفاظ على مصداقية الشهادة الرسمية يتطلب امتحانات عادلة وشفافة وموحدة، لكن العدالة لا تعني فقط وضع أسئلة موحدة وتصحيحًا موحدًا بل تبدأ أيضًا من تأمين ظروف واضحة ومستقرة للمتقدمين.

فالطالب الذي بذل جهدًا علميًا ونفسيًا طوال العام يستحق أن يعرف متى سيمتحن، وما هي القواعد التي سيخضع لها، وما هو المسار الذي ينتظره بعد الامتحان.

وفي ظل الأزمات المتتالية التي يعيشها القطاع التربوي في لبنان، تبدو الحاجة ملحّة إلى مقاربة أكثر استقرارًا لإدارة الامتحانات الرسمية، تقوم على التخطيط المسبق والشفافية وسرعة التواصل مع الطلاب والأهالي.

*الإفادة… هل تكون الحل الاستثنائي؟*

في ظل استمرار الغموض حول موعد الامتحانات، تبرز فكرة اعتماد الإفادة كحل استثنائي لحماية الطلاب من خسارة عام جامعي كامل.

وقد تكون الإفادات في هذه الظروف الحل الأمثل إذا تعذّر إجراء الامتحانات الرسمية ضمن فترة زمنية تسمح للطلاب بالالتحاق بالعام الجامعي في مواعيده.

فالعدالة التربوية تقتضي ألّا يخسر طالب فرصته الجامعية بسبب إشكالية إدارية أو قانونية خارجة عن إرادته. كما أنّ حق الطالب في متابعة تعليمه يجب ألا يصبح رهينة لتأجيل مفتوح لا يعرف أحد متى ينتهي.

إن اعتماد الإفادة، إذا تمّ إقراره ضمن الأطر القانونية والتربوية المناسبة، يمكن أن يشكل إجراءً استثنائيًا لحماية حق الطلاب في التعليم، وضمان تكافؤ الفرص وعدم تحميلهم تبعات أزمة لم يكونوا طرفًا فيها…

فالامتحان الرسمي يبقى أداة أساسية لضمان مستوى موحد من التقييم والحفاظ على مصداقية الشهادة الرسمية. غير أن الظروف الاستثنائية تتطلب أحيانًا حلولًا استثنائية، شرط أن تكون مدروسة وعادلة وواضحة ومحددة الأهداف.

*حق الطالب في العام الجامعي*

إن المسألة اليوم لا تتعلق فقط بموعد امتحان، بل بمصير عام أكاديمي كامل. فالجامعات لديها روزنامتها، ومواعيد التسجيل محددة، والطلاب مطالبون باتخاذ قرارات تتعلق بتخصصاتهم ومستقبلهم الأكاديمي. وأي تأخير غير محدد قد يؤدي إلى حرمان بعض الطلاب من الالتحاق بالعام الجامعي في موعده، وهو أمر قد تكون له تداعيات تمتد إلى سنة كاملة من حياتهم التعليمية.

ومن هنا، فإن ضمان حق الجميع في الالتحاق بالعام الجامعي يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من أي قرار تربوي يُتخذ في هذه المرحلة ولا يجوز أن يكون الطالب هو الحلقة الأضعف في سلسلة التعقيدات القانونية والإدارية.

*الطالب أولًا*

قد يكون التأجيل مبرّرًا إذا فرضته أسباب قانونية أو تنظيمية لا يمكن تجاوزها، لكن ما لا يمكن تبريره تربويًا هو أن يبقى الطالب معلّقًا بين قرار وتأجيل وانتظار فالطالب ليس رقمًا في لوائح الامتحانات بل هو محور العملية التعليمية وغايتها.

ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية والتربوية تقتضي البحث سريعًا عن حل يوازن بين احترام القانون والحفاظ على مصداقية الشهادة الرسمية وصون العدالة التربوية وحماية مستقبل الطلاب.

وقد تكون الإفادة المؤقتة، ضمن ضوابط قانونية وتربوية واضحة، جسرًا يحمي الطالب من خسارة عام جامعي إلى حين تسوية الملف وإيجاد الحل النهائي العادل.

فالامتحان يمكن أن يتأجل، والإجراءات يمكن أن تتغير، لكن حق الطالب في التعليم ومستقبله الأكاديمي لا ينبغي أن يتأجلا.

إن التربية في جوهرها ليست امتحانًا فقط، بل مسؤولية تجاه الإنسان ومستقبله.

لذا فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس فقط متى ستُجرى الامتحانات بل كيف نضمن ألّا يدفع الطالب ثمن التأخير، وأن يبقى حقه في التعليم والالتحاق بالعام الجامعي مصانًا وعادلًا!

فقد يتأجل الامتحان، لكن مستقبل الطلاب لا يحتمل المزيد من الانتظار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى