
في لبنان، لم يعد الراتب معيارًا للحياة الكريمة، بل أصبح مجرد محطة عبور للأعباء. يدخل إلى جيب المواطن، فتلتهمه الكهرباء والمياه والهاتف والإنترنت والنقل والإيجار والأقساط والرسوم، وما إن تُسدَّد الالتزامات حتى يجد نفسه أمام نهاية الشهر بلا قدرة حقيقية على تأمين أبسط احتياجاته.
المعضلة لم تعد في حجم الراتب وحده، بل في الهوّة المتسعة بين الدخل وكلفة المعيشة. فالأسعار تتحرك بسرعة، فيما قدرة الناس على اللحاق بها تتراجع يومًا بعد يوم. وما كان يُعدّ من الكماليات أصبح اليوم حاجة أساسية، وما كان أساسيًا بات بالنسبة إلى كثير من العائلات أمرًا صعب المنال.
ويبقى السؤال الأكثر قسوة: ماذا يبقى من الراتب للغذاء والدواء والتعليم والملابس والتدفئة؟
نحن على أبواب الشتاء، ومعه تبدأ دورة جديدة من القلق. المحروقات، التدفئة، النقل، الأقساط المدرسية، الكتب والقرطاسية والملابس… كلها نفقات تتراكم فوق عائلات أنهكتها السنوات الماضية، وأصبح دخلها عاجزًا عن استيعاب أبسط متطلبات الحياة.
وفي بلدٍ تتراجع فيه قدرة الدولة على تأمين الخدمات، يجد المواطن نفسه مضطرًا إلى دفع ثمن كل شيء تقريبًا من دخله المحدود: يدفع للكهرباء، ويدفع للمياه، ويدفع للصحة، ويدفع للتعليم، ويدفع للنقل، ثم يُطلب منه أن يتحمل المزيد من الضرائب والرسوم.
فماذا بقي من مفهوم الدولة إذا كان المواطن يدفع ثمن كل شيء، فيما راتبه لا يكفيه ليعيش؟
الأخطر أن الأزمة لم تعد اقتصادية فقط، بل تحولت إلى أزمة كرامة وأمان اجتماعي. عائلات تعيد حساباتها عند كل فاتورة، وأهل يختارون بين حاجتين أساسيتين لأن الدخل لا يسمح بتأمينهما معًا، وأطفال يدفعون ثمن ضيق الحال من تعليمهم وصحتهم وحياتهم اليومية.
وهنا لا يمكن اختزال المسألة برفع الرواتب من دون معالجة جذور المشكلة. المطلوب سياسة متكاملة تربط الأجور بكلفة المعيشة، وتخفف الأعباء عن الأسر، وتعيد بناء الخدمات العامة، وتحمي القدرة الشرائية، وتمنع تحويل المواطن إلى ممول دائم لعجز الدولة.
فالراتب ليس رقمًا في جدول مالي.
وراءه موظف يعمل ساعات طويلة، وأب يحاول تأمين مستقبل أبنائه، وأم تحسب ثمن كل حاجة قبل شرائها، وعائلة تريد أن تعيش من دون أن تتحول نهاية كل شهر إلى أزمة جديدة.
المواطن لا يطلب رفاهية. يطلب أن يكون قادرًا على إطعام أطفاله، وتعليمهم، وتأمين الدواء لهم، وتدفئة منزله، ودفع فواتيره، من دون أن يضطر إلى الاستدانة أو طلب المساعدة.
هذه ليست مطالب استثنائية، بل أبسط حقوق الحياة.
لقد طال زمن مطالبة الناس بالصبر. صبروا على الانهيار، وعلى الغلاء، وعلى تراجع الخدمات، وعلى تآكل مداخيلهم، وعلى تأجيل حقوقهم من عام إلى آخر. لكن الصبر لا يمكن أن يتحول إلى سياسة اقتصادية، ولا يمكن مطالبة الناس بمزيد من التحمل فيما كلفة الحياة تواصل الارتفاع.
قبل الشتاء، وقبل أن تتراكم الأقساط والفواتير فوق كاهل العائلات، المطلوب أن تتحول معالجة الوضع المعيشي من شعارات ووعود إلى قرار اقتصادي واجتماعي واضح.
فالاقتصاد الذي لا يضمن للمواطن قوت يومه، والصحة التي لا يستطيع تحمل كلفتها، والتعليم الذي يهدد دخل الأسرة، والتدفئة التي تصبح رفاهية… ليست مجرد أزمات منفصلة، بل دليل على خلل عميق في منظومة الحماية الاجتماعية.
لبنان لا يحتاج إلى مواطن يعمل أكثر ليبقى في مكانه، بل إلى اقتصاد يسمح له بأن يعيش من ثمرة عمله.
لأن قيمة الراتب لا تُقاس بما يدخل إلى الحساب المصرفي، بل بما يستطيع أن يؤمّنه من حياة كريمة.
وإذا كان اللبناني يعمل طوال الشهر ليدفع الفواتير فقط… فمن سيدفع ثمن حياته؟



