
نحن شعبٌ يريد دولةً عادلة، لكنه ما زال يبحث عن العدالة عند زعيمه. يريد محاسبة الفاسدين، لكنه يسأل أولًا: «هذا معنا أم ضدنا؟». يطالب بالسيادة، ثم يدافع عن جهة سياسية لأنه ينتمي إليها. يشتكي من انهيار الدولة، ثم يصفّق لمن ساهم في إضعافها.
وهنا تبدأ الكارثة.
عندما يصبح الإنسان تابعًا لحزب أو جهة سياسية، يصبح من الصعب عليه أن يرى الحقيقة كما هي. يصبح الخطأ مقبولًا إذا ارتكبته «جماعته»، والجريمة قابلة للتبرير إذا ارتكبها «زعيمه»، فيما يتحول الخصم إلى متهم حتى لو قال الحقيقة.
لهذا، لم يعد السؤال في لبنان: من على حق؟
بل أصبح السؤال الأخطر: من قال ذلك؟
وهكذا ضاعت الحقيقة بين الزعامات، وضاع معها المواطن.
لكن إذا كنا نريد فعلًا تغيير لبنان، فعلينا أن نعترف بحقيقة أكثر إزعاجًا:
لن تسقط المنظومة السياسية ما لم تسقط أولًا داخل عقولنا.
نحتاج إلى انتفاضة فكرية حقيقية؛ لا انتفاضة على شخص، ولا على حزب بعينه، ولا على طائفة، بل على الأفكار التي جعلت التبعية فضيلة، والولاء للزعيم هوية، والخلاف معه خيانة.
نحتاج إلى ثورة على ثقافة عمرها عقود تقول للمواطن: «احتمِ بجماعتك»، «لا تنتقد زعيمك»، «دافع عن ابن طائفتك مهما فعل»، «إذا سقط زعيمك سقطت أنت».
هذه الثقافة يجب أن تسقط.
يجب أن نتمرّد فكريًا على فكرة أن وجودنا مرتبط بوجود شخص.
أن نقول بوضوح:
لا زعيم يحمي وجودنا. الدولة هي التي تحمي وجودنا.
لا حزب يملك حقوقنا. القانون هو الذي يحمي حقوقنا.
ولا طائفة أو جهة سياسية تختصر وطنًا بأكمله.
نحتاج إلى انتفاضة تبدأ من البيت، من المدرسة، من الجامعة، من الإعلام، من مواقع التواصل، ومن كل نقاش بين لبناني ولبناني.
انتفاضة تعلّم أبناءنا أن يسألوا: «لماذا؟» بدل أن يسألوا: «مين قال؟».
انتفاضة تجعل الإنسان قادرًا على رفض الخطأ ولو صدر عن أقرب الناس إليه، وعلى الاعتراف بصواب خصمه ولو كان يختلف معه سياسيًا.
انتفاضة تكسر الخوف من فقدان الانتماء.
لأن أخطر ما فعلته هذه المنظومة أنها أقنعت المواطن بأن استقلاله عنها يعني خسارته للأمان والهوية والحماية.
وهنا يجب أن تبدأ المعركة الحقيقية: تحرير الإنسان من حاجته إلى الزعيم.
لا نريد مواطنًا ينتقل من تبعية إلى تبعية أخرى. لا نريد أن نسقط صنمًا لنصنع صنمًا جديدًا.
نريد مواطنًا حرًا.
مواطنًا يستطيع أن يقول لزعيمه: أنت مخطئ.
ويقول لحزبه: أنا لا أوافقك.
ويقول لطائفته: القانون فوقنا جميعًا.
ويقول لخصمه: قد أختلف معك، لكنني لن أنكر حقك في أن تكون على صواب.
هذه هي الانتفاضة التي نحتاجها.
انتفاضة لا تبدأ بإسقاط صورة على جدار، بل بإسقاط صورة الزعيم من داخل الرأس.
انتفاضة لا يكون هدفها استبدال جماعة بجماعة، بل إنهاء عقلية الجماعات عندما تتحول إلى سجن للفكر.
انتفاضة لا تبحث عن «زعيم نظيف» لتتبعه، بل عن دولة نظيفة لا تحتاج فيها إلى زعيم كي تحصل على حقك.
لأن تغيير الوجوه من دون تغيير العقول ليس تغييرًا.
وإسقاط الأحزاب من دون إسقاط ثقافة التبعية ليس خلاصًا.
وتغيير السلطة من دون تغيير المواطن سيعيد إنتاج السلطة نفسها، بأسماء جديدة وشعارات جديدة.
لذلك، قبل أن نطالب بثورة على النظام، علينا أن نعلن ثورة على الأفكار التي جعلت هذا النظام ممكنًا.
ثورة على الخوف.
ثورة على التبعية.
ثورة على تقديس الأشخاص.
ثورة على الطائفية السياسية حين تتحول إلى ولاء أعمى.
ثورة على تبرير الفساد لأن الفاسد «من جماعتنا».
وثورة على الفكرة الأخطر كلها:
«إذا ذهب زعيمنا، انتهينا.»
لا.
لن ننتهي إذا ذهب الزعيم.
ربما تبدأ حياتنا السياسية الحقيقية عندما نكتشف أننا نستطيع أن نعيش من دونه.
عندها فقط يصبح المواطن حرًا.
وعندها فقط تصبح الدولة وطنًا، لا ساحة تتقاسمها الزعامات.
فلبنان لا يحتاج إلى شعب ينتظر زعيمًا ينقذه.
لبنان يحتاج إلى شعب تحرّر من فكرة أنه يحتاج إلى زعيم كي يعيش.



